Rechercher dans google

الجمعة، 15 مارس 2013

الذهب الأخضر

على حافات صحراء الربع الخالي التي تعد أكبر مساحة رملية في العالم، وعلى بعد مئتي كيلومتر من إمارة أبوظبي، تظهر ملامح ما يمكن وصفها بثورة في التكنولوجيا المتقدمة. فهناك يقع مقر محطة “ شمس ”1 للطاقة الشمسية

التي تَشغُل مساحة شاسعة من الصحراء تعادل 285 ملعباً لكرة القدم. وتهدف أبوظبي من وراء هذا المشروع الذي يضم الأف المرايا الضخمة المركبة داخل إطارات يبلغ طول

أحدها ستة أمتار بأن تنتج طاقة كهربائية لنحو عشرين ألف منزل في الإمارة بنهاية عام. 2012 

إن مشروع محطة “شمس ”1 للطاقة الشمسية يعد واحداً من أبرز الحلول البيئية التي طوَّرتها إمارة أبوظبي بهدف تعزيز مكانتها في مجال تطبيق وتطوير التكنولوجيا النظيفة واستغلالها كمصدرٍ حيوي لإنتاج الطاقة الكهربائية والوقود، وبالتالي حماية البيئة المحيطة عبر تقليل البصمة الكربونية للإمارة.

وتهدف إمارة أبوظبي إلى إنتاج ما يعادل % 7من احتياجاتها من الطاقة الكهربائية باستخدام مصادر متنوعة من الطاقة المتجددة والنظيفة بحلول عام 2020 ، ويتوقع الخبراء بأن الإمارة ستنجح في تحقيق هذا الهدف الطموح بسبب التزامها الدؤوب لتبني مختلف مصادر الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة في مشاريعها الحيوية.

بالإضافة إلى ذلك، يتوقع الخبراء بأن التكنولوجيا النظيفة ستصبح جزءاً لا يتجزأ من المصادر الحيوية التي ستدر المزيد من الإيرادات على دولة الإمارات العربية المتحدة،

ويمثل ذلك نقلة نوعية ستنوع من مصادر دخل الدولة التي تعتمد حالياً على الإيرادات الناتجة من قطاع الهيدروكربون، وسوف تستثمر جزءاً من هذه الإيرادات في بناء مستقبل أخضرٍ ونظيف للأجيال القادمة.

وتعقيباً على هذا الموضوع، يقول آرون بيلينبيرغ، الشريك الاستراتيجي لمكتب لايثام وواتكنز الأمريكي للمحاماة والاستشارات القانونية ومؤسس مجلس الأعمال للطاقة النظيفة : “يشهد العمل على تشغيل وتطبيق التكنولوجيا الخضراء نمواً كبيراً جداً يعكس مدى أهميته، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط بل على مستوى العالم، وهو الأمر الذي تطمح إمارة أبوظبي بأن تعزز دورها فيه بوصفها شريكاً نشطاً في تنمية الاقتصاد العالمي”.

وأضاف بيلينبيرغ قائلاً: “إن تبني دول العالم لتكنولوجيا حديثة وصديقة للبيئة أصبح أمراً مهماً ومطلوباً ليس بهدف اتباع اللوائح التنظيمية المتعلقة بالبيئة فحسب، بل من أجل تقليل الاعتماد على الوقود واستخدام مصادر بديلة مثل الطاقة الكهربائية والمياه بكفاءة عالية. وهناك جانب مهم آخر يتعلق بالأعمال والاقتصاد حيث تركز إمارة أبوظبي

على تنويع اقتصادها والابتعاد عن الاعتماد على الوقود الأحفوري.” ويترأس بيلينبيرغ مجلس الأعمال للطاقة الذي يعد المجموعة الصناعية الأولى من نوعها وتغطي قطاع الطاقة النظيفة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

مجمع للطاقة النظيفة

تعمل عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة على مضاعفة جهودها لتبني وإدخال تكنولوجيا الطاقة النظيفة في “جينات” اقتصادها الذي يشهد نمواً إيجابياً والاستثمار فيها عبر إنشاء مجمع حديثٍ للطاقة النظيفة في إمارة أبوظبي ضمن مبادرة طموحة دشَّنتها شركة مصدر. ومن المتوقع أن تصبح مدينة مصدر عند إكمال إنجازها بين عامي 2020 و 2025 أول مدينة مستدامة كلياً في العالم وخالية من النفايات وعوادم السيارات ولا ينبعث فيها الكربون، في حين ستقوم الوحدات الأخرى التابعة لشركة مصدر بالاستثمار في الأصول التابعة للتكنولوجيا النظيفة والبحوث الأ كاديمية

ووضع البرامج التطويرية والتدريبية اللازمة. 

وبهذا الصدد يقول بيلينبيرغ: “إننا نتابع عن كثب المشاريع التطويرية التي تشرف عليها شركة مصدر بهدف تعزيز دورها كمركزٍ حيوي لإنتاج التكنولوجيا النظيفة. لقد قامت

الشركة بالاستثمار في العديد من المشاريع، وإذا تمكنت من تدشين مدينة مصدر، فإنها ستصبح بذلك أول مشغل لمجمع عالمي متخصص في ابتكار التكنولوجيا النظيفة. حينها، سنردد السؤال ذاته عندما نزور مركز سيليكون فالي أو أي مركزٍ عالمي مماثل لإنتاج التكنولوجيا النظيفة ألا وهو: كم سيبلغ حجم المجمع مع الوقت؟ غير أنه بالنسبة لإمارة أبوظبي، لا نتوقع أن تكون هناك مشكلة في ما يخص التمويل والالتزام."

وبالإضافة إلى شركة مصدر، فإن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة )آيرينا(، التي تعد مركزاً عالمياً متخصصاً في الطاقة الخضراء، تتخذ من إمارة أبوظبي مقراً لها كما تستضيف العاصمة أبوظبي القمة العالمية لطاقة المستقبل سنوياً لتسليط الضوء على الطاقة المتجددة والتكنولوجيا المستدامة، وتمنح القادة العالميين والخبراء المتخصصين في

مجال الطاقة النظيفة جوائز نقدية تبلغ قيمتها ثلاثة ملايين دولار أمريكي ضمن مبادرة جائزة زايد لطاقة المستقبل.

تدفع إمارة أبوظبي بقوة عجلة تطوير عددٍ من المشاريع الحيوية والطموحة لإنشاء بنية تحتية مستدامة مثل تطوير مشروع محطة شمس للطاقة الشمسية الذي سينتج نحو 100 ميجاوات من الطاقة الكهربائية بنهاية العام الجاري. كما سيتم تطوير مشروعين مماثلين، الأول لإنتاج 100 ميجاوات من الطاقة الكهربائية عبر استخدام ألواح ضوئية في محطة جديدة سيطلق عليها اسم )نور 1(، والثاني لإنتاج 30 ميجاوات من الطاقة عبر استخدام محطات حديثة تعمل بقوة الرياح. 

وقد كشفت التقارير الصادرة عن غرفة التجارة الدولية لدولة الإمارات العربية المتحدة بأن مجموع استثمارات الدولة في مجال الطاقة الخضراء والمتجددة سيبلغ نحو 2.74 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2020 ، وبأن الجزء الأ كبر من

هذه الاستثمارات سيكون في عاصمة الدولة.

زيادة الطلب على الطاقة

لقد انعكست التحديات التي يفرضها الواقع الاقتصادي الراهن في القرارات الاقتصادية الطموحة التي اتخذتها دولة الإمارات، إحدى أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم، للاستثمار بشكلٍ ضخم في تطوير حلولٍ مستدامة وطويلة الأمد لمسألة الطاقة . فعلى سبيل المثال، يتوقع أن توفر محطتا شمس ونور ما يكفي من الطاقة الكهربائية للاستهلاك

المنزلي. فالطلب المتنامي على توفير الطاقة الكهربائية في إمارة أبوظبي خصوصاً وفي دولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي عموماً في تزايد مستمر نظراً للنمو العمراني والسكاني المستمر الذي تشهده المنطقة، وإقبال الناس على استخدام مختلف وسائل وتقنيات الحياة العصرية.

وبهذا الصدد، يقول مارك ماكفارلند، محلل استراتيجي للأسواق الناشئة في بنك الإمارات دبي الوطني، أكبر بنك إماراتي من حيث حجم الأصول: “من المعروف إن الشخص الذي يقيم في المدن يستخدم أربعة أضعاف كمية الطاقة التي يستخدمها الشخص الذي يقيم في الريف، ونظراً إلى أن غالبية السكان بمنطقة الشرق الأوسط تقيم في المدن، فأن نسبة استهلاك الطاقة في هذه المنطقة تتزايد على نحو كبير.”

وأما في منطقة الخليج العربي، فإن دول مجلس التعاون بحاجة إلى كمية إضافية من الطاقة خلال العقد المقبل تقدر بنحو 100جيجاوات، بحسب التقارير الصادرة عن المجلس العالمي للطاقة. كما أن التطوير العمراني المتسارع الذي تشهده إمارة أبوظبي سيزيد من حدة استهلاك الطاقة الكهربائية بمعدل % 13 سنوياً خلال هذا العقد، بحسب البيانات والإحصاءات الحكومية. ويعد معدل الزيادة هذا أسرع بمقدار الثلث عن معدل الزيادة في السنوات الخمس الماضية من العقد الأخير وهي الفترة الزمنية التي شهدت فيها أبوظبي نمواً منقطع النظير في إنشاء المشاريع التطويرية الضخمة بهدف تحويل العاصمة إلى مدينة عالمية عصرية.

وبحسب المصادر الحكومية سوف يزداد الطلب الكلي على الطاقة في أبوظبي وبضمنه الكميات التي ستزود بها الإمارات الأخرى من 8,563 ميجاوات بحلول عام 2015 إلى18,532 ميجاوات في عام 2010 ، ولذلك تسعى الحكومة اليوم لإيجاد حلولٍ بديلة لاستيعاب هذه الزيادة التي لم يسبق لها مثيل في استهلاك الطاقة. ومن الخصائص المهمة للتكنولوجيا النظيفة أنها تتيح للحكومات، مثل حكومة إمارة أبوظبي، الفرصة لإنتاج الطاقة المتجددة دون اللجوء

إلى حرق النفط أو الغاز الطبيعي أو الديزل. وبالإضافة إلى المنافع البيئية الجلية للتقليل من استهلاك مواد هيدروكربونية لإنتاج الطاقة، فإن براميل النفط نفسها التي كانت تستهلك

في السابق لتشغيل أجهزة التبريدٍ في المنازل يمكن أن تُصدر وتباع في السوق العالمية لدعم الاقتصاد المحلي وبالتالي حجم الاستثمار في البحوث المتعلقة بإنتاج التكنولوجيا النظيفة في الإمارة. 

وقال بيلينبيرغ من مجلس الأعمال للطاقة النظيفة: “على الرغم من أن هذه المنطقة غنية بمصادر الطاقة الهيدروكربونية فإن معظم إنتاجها يصدر إلى الخارج. ولذا فإن تبني استخدام وتطوير التكنولوجيا النظيفة سيساهم في توفير مصادر متنوعة وبديلة لتوليد الطاقة الكهربائية.”

هل التفكير في الاعتماد على التكنولوجيا النظيفة أمرٌ مبالغٌ فيه ومتعجل؟

هناك من يعتقد بأن جهود إمارة أبوظبي لسد احتياجاتها من الطاقة باستخدام المصادر المتجددة قد تكون سابقة لأوانها في ضوء الحلول البديلة المتوفرة. دولة الإمارات العربية المتحدة ماضية قدماً في خططها لإنشاء أول مفاعل نووي في المنطقة العربية بحلول عام 2017 وتتوقع إمارة أبوظبي بأن تتمكن من توليد ما بين % 23 و% 25 من إحتياجاتها من الطاقة من خلال هذا المفاعل بحلول عام 2020 .

وبهذا الصدد، يقول صاموئيل سيزوك، المحلل في مجال اقتصاد الطاقة لدى شركة كي بي سي للخدمات الاستشارية في المملكة المتحدة: “لا تسمح التكنولوجيا المستخدمة في إنتاج الطاقة المتجددة حتى الآن من توليد الطاقة على النطاق الواسع الذي تأمل فيه إمارة أبوظبي ضمن فترة زمنية قصيرة نسبياً. ففي منطقة الخليج العربي، نحن نتحدث بصورة عامة عن استغلال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح؛ والتكنولوجيا المتوفرة في الوقت الحاضر لم تصل بعد إلى مرحلة متقدمة بحيث تسمح بإنتاج الطاقة بمستويات تقارب ما تنتجه المفاعلات الذرية على سبيل المثال خلال الفترة الزمنية ذاتها. 

إن إنتاج الطاقة المتجددة أمر مكلف جداً، ولاسيما إذا أردت أن يكون الإنتاج بمستويات كبيرة جداً.” ومع ذلك فإن التزام إمارة أبوظبي نحو تبني الطاقة النظيفة والمتجددة على الأمد الطويل ينعكس من خلال التغييرات الطفيفة التي تطرأ على سياساتها الشرائية المتعلقة بمعدات توليد الطاقة. 

ففي الولايات المتحدة وأروبا على سبيل المثال، يتولى القطاع الخاص تطوير معظم المشاريع الخاصة بتوليد الطاقة من الألواح الشمسية والرياح بعد قيام المطورين بشراء أراض واستصدار التصاريح اللازمة لبناء المحطات والمرافق التابعة لها.

عدد المشاهدات